معركة كوت العمارة

معركة كوت العمارة

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى تحركت بريطانيا نحو العراق بهدف الاستيلاء على الثروات النفطية في الشرق الأوسط وتمكين سيطرتها على شبه الجزيرة الهندية، كانت تظن بريطانيا أنها ستقضي على التواجد العثماني الضعيف في العراق وتتمكن من السيطرة على بغداد بسهولة، بعد هزيمتها النكراء  في معركة تشناك قلعة كانت تظن انه باستيلائها على بغداد ستعوض خسارتها وتُخفف عما لحق بجيشها من خسائر وسمعة سيئة.

بيرسي كوكس أخبر قائد الجيش وينستون بأن دخول بغداد سيكون نصراً سياسياً كبيراً لا يقل أهمية عن دخول إسطنبول واحتلالها، في البداية لم تستطع القوات العثمانية أن تُحقق تقدماً أمام القوات البريطانية لعدم تكافوء القوى، غير أن الجيش العثماني بقيادة السيد نور الدين استطاع أن يهزم القوات البريطانية في 22-23 نوفمبر 1915 في سلمان باك  أخر نقظة دفاع عن بغداد وأجبرهم على الانسحاب، القوات البريطانية التي أصبحت في موقع الدفاع تراجعت نحو كوت العمارة كمكان مناسب لانتظار التعزيزات العسكرية من بريطانيا، بعدها قامت وحدات الجيش العثماني بمحاصرة كوت العمارة في 7 نوفمبر 1915

وقام أنور باشا بتعيين عمه ميرليفا خليل باشا الذي يصغره سناً بعام واحد ليكون على رأس القوات العثمانية بدلاً من السيد نور الدين، لم يدرك الإنجليز خطر هذا الحصار عليهم، ظن الإنجليز بأن هذا الحصار سيستمر شهر واحد بالكثير فقاموا بتأمين ما يحتاجونه من مؤن وغذاء لشهرين فقط، أيضاً قاموا بإرسال الجيش الثاني بقيادة الجنرال ايلمر لفك الحصار عن القوات البريطانية في كوت العمارة، الجنرال تشارلز فير فيريرز تاونسند قام بهجومين في 14 و17 ديسمبر بهدف كسر الحصار عن قواته لكنه لم يفلح، الجيش الذي جاء لتعزيز القوات البريطانية وفك الحصار عنها بقيادة الجنرال ايلمر هُزم في 6 يناير 1916وتكبد خسائر فادحة أجبرته على الانسحاب، مُحاصرة القوات البريطانية في كوت العمارة أحدثت ربكة قوية في بريطانيا، في حين أن الجيش العثماني كان يحرص على سلامة جنوده حاولت قوات التعزيز البريطانية أن تتقدم دون اكتراث لما تتكبده من خسائر ومع ذلك لم تتقدم خطوة واحدة، في كل مرة تهاجم القوات البريطانية بهدف فك الحصار كانت تلقى هزيمة نكراء وتُجبر على التراجع، كلما طال الوقت كلما اشتد الحصار.

بدأت المؤن بالنفاد على القوات الإنجليزية المحاصرة ولأن قوات التعزيز لم تستطع تزويدهم بها عبر البر حاولوا ذلك عبر النهر، غير أن قذائف الجيش العثماني أصابت السفن المحملة بالمؤن وإغرقتها وسط مياه البحر، وعندما فشلوا في إيصال المؤن عبر البر والنهر حاولوا إيصالها عبر الجو، كانت طائرات الجيش البريطاني تُنزل المؤن لقواتها في كوت العمارة عبر المظلات غير أن الرياح القوية تسببت في سقوط معظمها في أماكن وجود القوات العثمانية أو النهر، لم يستمع تاونسند نداء خليل باشا له بالاستسلام فكان يموت من قواته كل يوم حوالي 20 جندياً بسبب الجوع والمرض، القوات العثمانية التي تحاصر المدينة لم تسمح لأحد بالخروج منها أو دخول المساعدة إليها طيلة 5 أشهر، الجنود البريطانيين داخل المدينة بدأوا بذبح خيولهم ليأكلوها ويسدوا بها جوعهم، في النهاية أضطر تاونسند في يوم 26 نيسان 1916 بطلب لقاء مع الاتراك والاتفاق معهم على الاستسلام، في اللقاء عرض تاونسند تسليم الأسلحة كاملة ومغادرة الجبهة والتعهد بعدم مواجهة الأتراك طيلة الحرب ودفع مليون جنيه إسترليني مقابل السماح لقواته بمغادرة كوت العمارة إلى البصرة، رفض خليل باشا هذا الاقتراح على الفور مما دفع الإنجليز غلى رفع المبلغ إلى 2 مليون جنيه استرليني للخلاص من وضعهم المخزي، لكن خليل باشا أخبرهم بأن الحكومة ليست بحاجة للأموال والسلاح ورفض الاقتراح مجدداً وأعطاهم مهلة للاستسلام حتى 29 نيسان ما لم فسيبدأ بالهجوم عليهم.

في صباح 29 نيسان 1915 وصل ضابطين من القوات البريطانية إلى مواقع الجيش التركي وأخبروهم بأن تاونسند يعرض الاستسلام بدون أي شرط، وقام تاونسند بتسليم سلاحه وسيفه لخليل باشا لكن خليل باشا رفض ذلك وقال له " لقد كان هذا سلاحك وسيظل كذلك ". في يوم 29 نيسان 1916 قام الجيش البريطاني في كوت العمارة المكون من 13 جنرالا و481 ضابطا و13300 جندي بتسليم أنفسهم للقوات العثمانية، لقد فقد الجيش البريطاني 30 الف جندي خلال فترة الحرب التي استمرت 5 اشهر في حين فقد الجيش العثماني 10 الاف جندي، هذه الهزيمة أنتجت موجة غضب عارمة في الصحافة البريطانية وبين الأوساط الشعبية في بريطانيا، هزيمة الجيش البريطاني الذي ذهب لاحتلال بغداد واستسلامه في كوت العمارة سبب الخزي والعار لبريطانيا، بسبب هذه الهزيمة فُتحت التحقيقات والاستجوابات وتم عزل كثير من الجنرالات من مناصبهم.

بعد ذلك عُرف خليل باشا ببطل كوت العمارة وفي عام 1934 بعد صدور قانون الألقاب أطلق مصطفى كمال أتاتورك لقب " كوت " بشكل قانوني على خليل باشا تكريماً له، تم بناء تذكار ومقبرة كبيرة ومحاطة بالأسوار في المنظقة في 1920  يرقد فيها الشهداء الذين سقطوا في هذه المعركة وأُطلق عليها  اسم "مقبرة شهداء كوت "، في هذه المعركة استسلم الجيش الانجليزي الذي لم يستسلم طيلة 130 عاماً منذ 1780م، لقد استسلموا للجيش العثماني في هذه المعركة دون قيد أو شرط، يقول المؤرخ الانجليزي جيمس موريس أن استسلام الجيش الإنجليزي في معركة كوت العمارة يُعتبر أكبر إهانة  لبريطانبا لم تشهد لها مثيلاً في تاريخها، اما الباحث النمساوي جاستون بودارت فقد قال" إنها أقوى ضربة تلقتها هيبة الإمبراطورية البريطانية في الحرب العالمية الاولى ". هذه الهزيمة كان لها أثر قوي في نفوس الإنجليز وظلت تحز في نفوسهم فيما بعد، حتى أن وينستون تشرشل وزير الحرب في الحرب العالمية الأولى سألوه عندما كان رئيساً للوزراء في الحرب الثانية " ماذا لو قرر الأتراك أن يتحالفوا مع الألمان؟ " فأجاب عليهم " سنكون محظوظين لننتقم لهزيمتنا في كوت العمارة"


لقد مُرغ أنف القوات البريطانية في التراب في معركة كوت العمارة 1916 وظلت تركيا تحتفل بهذا النصر العظيم في الوحدات العسكرية باسم " عيد كوت " كل عام حتى 1952، بعد دخول تركيا ضمن حلف الناتو وبضغط من بريطانيا لم تحتفل تركيا بهذا النصر، وتم حذف هذه المعركة من كتب التاريخ وأصبحت في طي النسيان عمداً، في الحقيقة أن الإنجليز لم ينسوا هذا التاريخ أبداً، لكنهم نجحوا في إغفالنا عنه وأنسونا إياه.